
الطاهر ساتي.يكتب..تراجع لافت لأسعار الخضر والسلع في وادي حلفا.. على سبيل المثال، بلغ كيلو الطماطم (10) آلاف جنيه وكان بـ (30) ألفاً للمحلي، والبطاطس (5) آلاف وكان بـ (8)، والليمون (10) مقابل (30)، والخيار (6) آلاف، مع توقعات باستمرار الانخفاض بعد تدفق الإمدادات..!!
وهذا الانخفاض لا تفسره وفرة الإنتاج المحلي، بل يفسره طريقٌ سالك ومعبرٌ مفتوح مع مصر.. فقد تم إغلاق معبر أشكيت في الفترة الماضية، فتعثرت الإمدادات وارتفعت الأسعار بجنون؛ لأن وادي حلفا – مثل غيرها – تعيش على أرقين وقسطل..!!
تعيش عليهما، فإذا توقفا ارتفع كل شيء وتحول السوق إلى سوق ندرة وجشع واحتكار مؤلم للمواطنين.. والسلعة المستوردة الرخيصة في هذا التوقيت ليست تهديداً بل متنفسٌ، فالمواطن الذي تآكل دخله لا يسأل عن جنسية الطماطم بل عن سعرها..!!
وفارق السعر في كيلو الطماطم – عشرون ألف جنيه – يعني وجبة لطالب وطالبة، وقد كسر المستورد احتكار الندرة وأجبر التجار المحليين على مراجعة أسعارهم المبالغ فيها قسراً وبشكل عاجل ومباشر أمام الجميع.. ومن الخطأ أن نواجه هذا التدفق بالحظر، كما تفعل سيدة الحظر، وزيرة التجارة..!!
ومن علوم الاقتصاد كافة، فإن حكومة الألم لا تتقن غير الحظر الذي يعاقب المواطن، ولا يحمي المزارع بل يخفي فشله.. فالتجارب أثبتت أن الحظر يخلق سوقاً سوداء أغلى وأسوأ، بينما المنافسة الشريفة هي التي تصلح السوق وتخدم الجميع وتحفظ حق المنتج والمستهلك معاً بتوازن عادل..!!
والمزارع في بلادنا لا يخسر لأنه كسول، بل لأنه ينتج بتكلفة باهظة.. أزمة وقود، وسمادٌ غالٍ، وكهرباء متقطعة، ونقلٌ متهالك بلا تبريد، فيضطر لبيع محصوله يوم حصاده بأي ثمن قبل أن يفسد، بينما منافسه المصري يأتي بمنظومة متكاملة مدعومة ومحمية بشكل أفضل وأرخص بكثير جداً..!!
والأمر لم يعد مقصوراً على الخضار والفاكهة، بل امتد إلى البقوليات والسلع الغذائية الأساسية، فالمستورد أرخص من المحلي في كل شيء.. الدقيق والعدس والفول والسكر، و.. و.. وبدلاً من معالجة الأسباب بمسؤولية تلجأ الحكومة للحظر، وكأن الحظر سيحل مشكلة تكلفة الإنتاج العالية..!!
فالحظر مجرد وهم إداري لا يعالج المرض بل يخفي أعراضه مؤقتاً.. السلع والخضر المصرية غير قابلة للمنافسة، ولا يمكن أن نطالب منتجاً مقيداً بأن ينافس منتجاً حراً، ولا يمكن أن نرفع شعار سيادة إنتاجنا ونحن نكبله بالجبايات والرسوم والعجز عن دعم مدخلات الإنتاج..!!
المنافسة الحقيقية يجب أن تكون في ميدان الإنتاج وتخفيض التكلفة، لا على منصات الخطب الرنانة والشعارات المستهلكة.. والحكومات التي تنشد بحق إنتاجاً محلياً قوياً وقادراً على البقاء، عليها أن تمد إليه يد التمويل والدعم الذكي، لا أن تلجأ لسياسة “الحظر”..!!
هناك حلول عاجلة لا تحتاج إلى مؤتمرات، بل إلى قرارات.. تنظيم الاستيراد بحيث لا يتصادم مع مواسم الإنتاج، وإعفاء مدخلات الإنتاج من الجبايات، وإنشاء مراكز تبريد تستلم من المزارع مباشرة بلا وسيط جشع يضاعف الأسعار، أو هكذا تفعل الدول؛ فانقلوا التجارب، وليس فقط أثاث منازلكم..!!
أما الحلول الآجلة، فهي استراتيجية شاملة؛ تبدأ بدعم الري ومدخلات الإنتاج وتشجيع الاستثمار ثم تحويل المعابر الحدودية من ممر لتفتيش السلع إلى جسر لتبادل المعرفة ونقل التقنية الزراعية الحديثة، وتأهيل مخازن التبريد الكبرى، وتأسيس صناعات تحويلية تستوعب الفائض وتمنحه قيمة مضافة..!!
وعلينا ألا نُصدّر خلافاتنا – وأحقادنا الداخلية – إلى دولٍ تملك ميزات نسبية كمصر التي لديها من الخبرة والتقنية ما هو قابل للنقل.. فلتكن المعابر ساحة مصالح مشتركة لا مسرح سياسة وتهريج، وجسراً للمنافع المتبادلة بدلاً من صراع عقيم يعطل تنمية بلادنا ويخسر فيه الجميع..!!
وما حدث في حلفا درس بليغ.. الحدود المثالية تخفض الأسعار في يوم، لكن الإنتاج القوي يحافظ عليها منخفضة كل يوم، فلا تحاربوا المستورد بالحظر، بل نافسوه بالإنتاج.. المواطن يريد سعراً عادلاً، والمزارع يريد كلفة عادلة، والدولة مهمتها أن توفر الاثنين معاً بإدارة واعية ومسؤولة..!!
وما كدنا نصل إلى هذه السطور، حتى جاءت الأنباء باستدعاء رئيس مجلس السيادة لوزيري التجارة والمالية، وتوجيهه بإلغاء جمارك الدقيق والزيوت والبقوليات، ورفع الحظر عن السلع.. والقرار – بلا شك – صحيح، ولكنه أتى من “السلطة الخطأ”..!!
فالقرارات الاقتصادية تصدر عن مجلس الوزراء، لا عن المجلس السيادي.. وطالما أن “السيادي” قد تحول إلى جهاز تنفيذي، فالأفضل – والأوفر للدولة – أن يُحلَّ مجلس الوزراء تماماً، وأن نكتفي بالسيادي لإدارة المرحلة؛ بدلاً من هذا التداخل الهيكلي العقيم..!!
وليس ثمة تفسير للإبقاء على حكومة كامل، غير أنهم يريدونها أن تكون مجرد واجهة لتلقي اللوم لا أكثر.. فالخطة مكشوفة، وهي إضعاف و إفشال مجلس الوزراء، ليتلقوا سياط النقد والشتائم، ثم يخرج المجلس السيادي – من رحم هذا الفشل – بمظهر القوي المنقذ..!!






